[cov2019]
الرئيسية / حديث الشارع / تحقيق صحفي يتساءل : لماذا تنتشر الواسطة في الأردن

تحقيق صحفي يتساءل : لماذا تنتشر الواسطة في الأردن

اخبار ع النار - يجيب تحقيق صحفي عن سؤال لماذا تنتشر الواسطة في الأردن الذي يجرم قانونه الظاهرة؟ في حين لم تشهد محاكمه سوى قضية واحدة أحالتها هيئة النزاهة إلى القضاء، ليستمر الإفلات من العقاب بسبب غموض النص التشريعي.

– تمكن مدير عام سابق لمؤسسة التدريب المهني الأردنية (تحتفظ الجريدة باسمه)، من تعيين أبنائه الثلاثة في جهات مرتبطة بوزارة العمل والتي كانت المؤسسة تتبعها، عبر الواسطة، وتبين أن المشتكى عليه قبل الوساطة المقدمة إليه لتعيين ابنة المدير في صندوق التشغيل والتدريب والتعليم المهني والتقني دون الإعلان عن وظيفة شاغرة والتنافس على نيلها، وهو ما اعتبره ديوان الخدمة المدنية مخالفا للقوانين، لكن عوضا عن إنهاء خدماتها جرى نقلها إلى وظيفة أخرى في وحدة متابعة وتقييم المشاريع في 15 يوليو/تموز 2015، بحسب ما جاء في أوراق القضية الصلحية الجزائية رقم 4829/2019 والمنشورة على موقع قسطاس (منصة قانونية تنشر التشريعات والأحكام قضائية).
ووُجِّهت للمدير تهمتا استثمار الوظيفة والتدخل في قبول الواسطة والمحسوبية، واتهم من ساعده وقبل الوساطة، بإساءة استعمال السلطة، وجنحة قبول الواسطة والمحسوبية، لكن محكمة صلح جزاء غرب عمان قررت تبرئة المدير عن التهم الموجهة إليه، وعللت قرارها بتبرئة من ساعده في التهمتين بأن النتيجة التي توصلت إليها لم تزن البينة وزنا دقيقا، كون الفعل المسند له يخرج عن النطاق الزماني للنص التجريمي.

لماذا لم يقع التجريم في القضية السابقة؟

يبدي المحقق السابق في هيئة مكافحة الفساد، المحامي مشعل الرقاد، والذي سبق له العمل في الأمن العام والقضاء الشرطي، اندهاشه من قرار المحكمة بعدم مسؤولية المتهمين في القضية السابقة، موضحا “أن جريمة الواسطة ارتكبت عندما كان قانون هيئة مكافحة الفساد رقم 62 لعام 2006 ساريا، وينص في المادة 5 البند ط على أنه “يعتبر فسادا لغايات هذا القانون قبول الواسطة والمحسوبية التي تلغي حقا أو تحق باطلا”، وطالما توفرت أركان الجريمة وأدلة الاثبات كان يتوجب الاتجاه إلى التجريم والإدانة، دون النظر لقانون هيئة النزاهة ومكافحة الفساد لعام 2016 لأن الجريمة وقعت عام 2015”.
وتكررت وقائع الحكم السابق في قضيتين مشابهتين متعلقتين بالواسطة، إذ أصدرت المحكمة بعد استئناف المدان حكما يقضي بـ”عدم المسؤولية” لأسباب تبررها المحكمة، وهو ما يعزوه الرقاد إلى غموض في النص القانوني، مفسرا ذلك بأن النص يعيق القضاء عن إمكانية إصدار الحكم بجرم الواسطة لأنه يحتاج إلى تحليل قانوني (تفكيك النص وتجزيئه إلى مجموعة العناصر التي يتألف منها) ما يقف عائقا أمام التطبيق، رغم تجريم الواسطة في الفقرة 7 من المادة 16 من قانون هيئة النزاهة ومكافحة الفساد رقم 13 لسنة 2016، وتنص على أنه “يعتبر فسادا قبول موظفي الإدارة العامة للواسطة والمحسوبية التي تلغي حقا أو تحق باطلا”.

تحدث الواسطة في الخفاء ما يعيق إقامة الدليل لإثباتها

ويتسم نص تجريم قبول الواسطة بـ”الاتساع”، واستعماله ألفاظا قانونية غامضة وغير محددة مثل (قبول، الواسطة، تلغي حقا) ما يجعل من الصعوبة إيجاد تفسير مدلوله دقيق، بحسب ما قاله الباحث فهد الكساسبة في دراسة مشتركة مع الرقاد، بعنوان “جريمة قبول الواسطة في التشريع الأردني وإشكالية التطبيق”، نشرت عام 2016، ولفتت إلى أن جريمة قبول الواسطة، تتصف بكونها صعبة الإثبات، لأنها ترتكب في أجواء يكتنفها التكتم لضمان نجاح تحقيق الحاجة التي يسعى أطراف الواسطة إليها في الخفاء، ومن الصعوبة إقامة دليل لإثباتها.
وقرر المشرّع الأردني عقوبة جنائية لمرتكب جريمة قبول الواسطة، لكنه لم يقرر لها خطة لتطبيق الأحكام العامة الناظمة للتدابير الاحترازية. وتنص المادة 23 في الفقرة (أ) من قانون النزاهة ومكافحة الفساد على عقوبة مرتكب هذه الجريمة: (دون الإخلال بأي عقوبة أشد ورد النص عليها في أي تشريع آخر، يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن أربعة أشهر، أو بغرامة لا تقل عن 500 دينار (705 دولارات) ولا تزيد على 5000 دينار (7052 دولارا) أو بكلتا هاتين العقوبتين، كل من ارتكب أيا من الأفعال والتصرفات المنصوص عليها في المادة 16 من هذا القانون، وفي حال التكرار يضاف للعقوبة نصفها).

قضية واحدة أحيلت إلى القضاء

يكشف ملف القضية رقم 7076/2018، أن محكمة صلح جزاء عمان، أدانت في الرابع عشر من أكتوبر/تشرين الأول عام 2018، طبيبا متخصصا بجراحة العظام والمفاصل بجرم قبول الواسطة والمحسوبية، استنادا لأحكام المادة 23/أ من قانون النزاهة ومكافحة الفساد بدلالة المادة 16 من ذات القانون والمواد 2 و3و4 من قانون الجرائم الاقتصادية، وعاقبته بغرامة قدرها 700 دينارا (987 دولارا أميركيا) ودفع رسوم التقاضي.
واستغل المدان صلة قرابة مع وزير صحة سابق (تحتفظ الجريدة باسمه) للتقدم لامتحان بعد استنفاذه فرصا سابقة، ووجه الوزير الكتاب رقم تطوير/ إقامة/2358، في 24 مارس/آذار 2014، إلى أمين عام الوزارة في ذلك الوقت، للسماح لطبيب متخصص في جراحة العظام والمفاصل كان قد تقدم لامتحان التقييم السنوي لسنة الإقامة الثالثة في دورة ديسمبر/كانون الأول 2012، ورسب ثم تقدم للامتحان في دورة ديسمبر 2013 ورسب، فانطبقت عليه تعليمات الفصل من الإقامة، لكنه تقدم بطلب إعادة الامتحان لوزير الصحة للمرة الثالثة، فطلب الوزير من مديرة إدارة الشؤون الإدارية أن تقوم بدراسة حول إمكانية ذلك وردت بعبارة (المفصولين يسمح لهم بإعادة الاختصاص بعد 6 أشهر)، رغم ذلك سمح الوزير للطبيب بإعادة الامتحان، وعند علم المشتكي المذكور اسمه في القضية وبقية الأطباء الذين لم يحالفهم الحظ تقدموا بطلب إعادة الامتحان لوزير الصحة، إلا أنهم قوبلوا بالرفض وجرت الملاحقة.

قضية واحدة متعلقة بالواسطة أحالتها هيئة النزاهة إلى القضاء منذ تأسيسها

وهذه القضية تعد الوحيدة التي أحالتها هيئة النزاهة ومكافحة الفساد إلى القضاء فيما يتعلق بجرائم الواسطة والمحسوبية، منذ صدور قانون الهيئة عام 2006 ومباشرتها عملها منتصف عام 2008، وفق تأكيد المستشار الإعلامي للهيئة عمر عبندة، مضيفا أن مدعي عام النزاهة ومكافحة الفساد طلب إذن الجهات المختصة بملاحقة وزير الصحة الأسبق بتهمة الواسطة والمحسوبية، في القضية السابقة لكن لا تتوفر لدى الهيئة معلومات أكثر لأن علاقتها تنقطع بالقضية بمجرد إحالتها للمدعي العام كما يقول.
وفي حالة وجود قضية ضد وزير يفترض أن يخاطب القضاء وزير العدل، وبدوره يحيل الأمر لرئيس الحكومة والذي يخاطب البرلمان من أجل التصويت على رفع الحصانة عن الوزير، وفي حال قرر المجلس يتم الأمر، كما يوضح المحامي والنائب في البرلمان الأردني صالح العرموطي، لكنه يؤكد أن لم يرد للمجلس أي طلب بشأن الوزير المذكور، كما أكدت الأمانة العامة لمجلس النواب أيضا عدم ورود أي طلبات بشأنه لدى تواصلنا معها.

ويبرر عبندة عدم إحالة الشكاوى الأخرى المتعلقة بالواسطة إلى القضاء بعدم وجود بيّنات واضحة، لكن هيلدا عجيلات، رئيسة مركز الشفافية الأردني (غير حكومي يعمل على تعزيز الرقابة المجتمعية)، تؤكد أن قانون الهيئة يلزمها بتتبّع مسألة الواسطة وتحويل الشكاوى وما يرصدونه إلى القضاء.
ويعتبر الرقاد أن تحويل هذه الواقعة إلى القضاء خطوة في الاتجاه الصحيح، غير أن موضوع الإثبات في غالبية الجرائم الواقعة على الوظيفة العامة يكون في غاية الصعوبة، قائلا: “للأسف قمنا بتطبيق تجريم الواسطة والمحسوبية بشكل متأخر وخجول، والحكم بعدم مسؤولية الطبيب بعد اعتراضه على الحكم كما تظهر تفاصيل القضية قانونيا لا يعني البراءة”.
ورصدت معدة التحقيق التقارير السنوية الصادرة عن الهيئة، ليتبين أنها تلقت 192 إخبارا وشكوى متعلقة بالواسطة والمحسوبية منذ عام 2010 وحتى عام 2015، في حين لم تدرج عدد الشكاوى في تقريرها السنوي لعام 2016، وتلقت الهيئة 1679 شكوى لم تفصل أنواعها في عام 2017، وارتفعت إلى 2797 عام 2018، وفي عام 2019 وصل عددها إلى 3572 شكوى شملت قطاعات متنوعة، دون تحديد المتعلقة بالواسطة بشكل خاص.

النواب مصدر رئيسي للواسطة

في السادس من يناير/كانون الثاني عام 2021، وجه النائبان في البرلمان الأردني ماجد الرواشدة ونواش القواقزة رسالة إلى وزير المالية يطلبان فيها تعيين نجليهما عون ماجد الرواشدة، وعلي نواش القواقزة في وظائف من الدرجة الأولى بدائرة الجمارك، وحملت الرسالة توقيع النائبين، وحتى أنها كُتبت خلال جلسة تحت قبة البرلمان.
وفي رده حاول النائب الرواشدة نفي لجوئه إلى استخدام الواسطة لتعيين ابنه واستغلال موقعه لتعيين أقاربه، متذرعا أن الرسالة لم تكن إلا “للتسلية”، مستنكرا إثارة هذه القضية بينما رفض القواقزة التعليق رغم أنه قال في تصريحات سابقة إن الرواشدة من كتب رسالتين لكل من وزيري المالية والزراعة، للمطالبة بتعيين ابنيهما.
ضلوع النواب بالواسطة والمحسوبية تؤكده نتائج استبيان رأي غير قياسي أجرته معدة التحقيق شمل 82 مشاركا، إذ أكد 41.5% منهم بأن مصدر الواسطة التي استخدموها لتسيير أمر ما هم نواب حاليون أوسابقون، تلاها الموظفون الحكوميون بنسبة 16.9%، ثم القضاة بنسبة 12.5%، وتوزعت باقي النسب كالآتي: المتنفذون 7.6%، والوزراء 4.7%، والمسؤولون في الأمن 1.5%.
ويعزو مدير مركز الحياة لتنمية المجتمع المدني “راصد” (بحثي يهتم بقضايا المجتمع المدني) الدكتور عامر بني عامر ضلوع النواب في الواسطة إلى ضعف الدور الرقابي والتشريعي للبرلمان، ما جعلهم يعوضون هذا النقص بقضاء تسهيلات ومساعدات للشعب للتغطية على ضعف أدائهم.

ثقافة مجتمعية

“تتسم جريمة قبول الواسطة بأنها ظاهرة اجتماعية، لتكرار وقوعها، والتواتر والاستمرار ملحوظان بوضوح في حدوث الواسطة بالمجتمع الأردني، حتى غدت من الأفعال التي تمارس بشكل يومي، ولا غنى لأفراد المجتمع عنها رغم عدم شرعيتها”، بحسب دراسة الرقاد والكساسبة.
وبالفعل أصبحت الواسطة جزءا من الثقافة المجتمعية، كما يرصد الدكتور عامر بني عامر، مشيرا إلى أن المواطن الأردني على مستوى إنجاز معاملاته في دوائر الدولة يباشر قبل ذهابه بسؤال من حوله عن شخص يعمل في الدائرة المعنية لتسهيل أموره، ليذهب في اليوم التالي ويبلغه أنه من طرف “فلان”، حتى وإن لم يكن هناك داع للواسطة. مبينا أن سكان المناطق الأقل حظا يلجؤون للواسطة أكثر من غيرهم بسبب ضعف الخدمات المقدمة ومشاكل العدالة، علاوة على أنهم يقطنون في بيئات طاردة لفرص العمل والرعاية الصحية والتعليمية، ما يدفعهم إلى تلبية احتياجاتهم باللجوءإلى الواسطة، وهو ما يؤكده استبيان الرأي، إذ قال 76.5% من أفراد العينة بأنهم استخدموا الواسطة لتسيير أمورهم الحياتية، وأجاب 44.7% بأنهم استخدموها للحصول على عمل، بينما استعان 12% بالواسطة لتسيير أمورهم في دائرة السير فيما يتعلق باستصدار رخصة قيادة أو شطب مخالفات السير. وأجاب 89% من المشاركين بأن الواسطة أمر هام للحصول على حق في الأردن، ويرى 64% أن الواسطة مُجدية، ووفقاً للإجابات فقد قدم ما نسبته 34% مالا مقابل الواسطة في حين قدم 25.6% من المستطلعة آراؤهم هدية.

الخبرة والشهادة بلا قيمة

تخرّج الثلاثيني عمر راشد (اسم مستعار خوفا من فقدان عمله) من كلية الإعلام في جامعة اليرموك عام 2015، وعمل في عدة مؤسسات إعلامية قبل التقدم إلى وظيفة في إذاعة هلا الأردنية عام 2019، واجتاز الامتحان بنجاح، لكنه لم يحظى بالفرصة المستحقة.
وفي رده يشدد الناطق الإعلامي باسم ديوان الخدمة المدنية، خالد غرايبة، على عدم وجود واسطة في التعيينات، قائلاً: “الديوان يخلو من الواسطة، ولا مجال للتدخل في التعيينات، لأن امتحان التقديم محوسب بالقاعات، والنتيجة تظهر أمام الممتحن على الجهاز من دون حتى تدخّل بشري”.
لكن أردنيون وأردنيات تأهلوا لمقابلات التعيين في الوظائف الحكومية، يؤكدون في أفاداتهم لمعدة التحقيق، بأن الواسطة تبدأ فعاليتها أثناء مرحلة المقابلات، الأمر الذي ينفيه غرايبة بقوله أن المقابلة توجد فيها لجنة مشكلة من أربعة أو خمسة أفراد، ويتمتع ديوان الخدمة بالشفافية الكاملة بنشر أسماء المتأهلين للمقابلات على موقعه الإلكتروني وفي الصحف المحلية.العربي الجديد

تابعوا صفحة وكالة اخبار ع النار على الفيسبوك
تنويه
• تتم مراجعة جمع التعليقات، وتنر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ " وكالة اخبار ع النار " بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، ون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعلق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يير ـ تصريحا أو تليحا ـ إلى أسماء بينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضروة ـ عنهم وحدهم لي غير، فكن خير مرس، نكن خير ناشر.
الموقع مرخص بموجب أحكام المطبوعات و النشر و يمنع الاقتباس أو إعادة النشر بدون ذكر المصدر ( اخبار ع النار ) تحت طائلة المسؤولية القانونية